محمد متولي الشعراوي

2655

تفسير الشعراوى

وقد يأتي واحد ويدعى لنفسه الإنسانية ويظن أنه يتكلم بالمنطق فيقول : - هل هؤلاء الناس الذين قدموا للبشرية كل هذه المخترعات التي أفادت الناس كالمواصلات وغيرها ، أيصيرون إلى عذاب ؟ . ونقول : هؤلاء سيأخذون جزاء الكفر ؛ لأن الواحد منهم قد عمل أعماله وليس في باله اللّه . بل قام بتلك الأعمال وفي باله عبقرية الابتكار والإنسانية وهو يأخذ من الإنسانية التكريم ، وعليه أن يطلب أجره ممن عمل له وليس ممن لم يعمل له ، وينطبق عليه قول الرسول : عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ولكنّك قاتلت لأن يقال جرىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن فأتى به فعّرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلّمته ، وقرأت فيك القرآن . قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل وسع اللّه عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعّرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك . قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى في النار ) « 1 » . ولم يغمطهم اللّه جزاء أعمالهم في الدنيا . فقد أخذوا من الدنيا كل التكريم . ووزع سبحانه فضل هذه المواهب على الناس الذين في بالهم اللّه ؛ لذلك ترى المسلم غير المتعلم يركب الطائرة ليحج بيت اللّه ويسجل أحاديث الإيمان على شرائط ليسمعها من لم يحضر ويشاهد هذه الشعيرة ، إذن فهؤلاء الكافرون مسخرون للمؤمنين لأنهم أتاحوا لهم الانتفاع بعلمهم واكتشافاتهم ، والمؤمنون أيضا مطالبون بأن يأخذوا بأسباب اللّه لينالوا كرم اللّه في عطاء العلم ، بل إن ذلك واجب عليهم يأثمون إذا لم يقوموا به حتى لا يكونوا عالة على سواهم ، فلا يستذلون .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في الجهاد . وأخرجه كذلك النسائي والترمذي وابن ماجة .